الصالحي الشامي
318
سبل الهدى والرشاد
ذكر كيفية الوقعة وما كان من أول الأمر من فرار أكثر المسلمين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كانت العاقبة للمتقين ، وما وقع في ذلك من الآيات قال ابن سعد : أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال . روى ابن إسحاق ، والإمام أحمد وابن حبان عن جابر بن عبد الله ، والإمام أحمد من طريقين ، وأبو يعلى . ومحمد بن عمر عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنهما - لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق وشعاب ، وإنما ننحدر فيه انحدارا ، وفي عماية الصبح ، وقد كان القوم سبقونا إلى الوادي فمكثوا في شعابه وأجنابه ومضايقه وتهيئوا ، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد ، وكانوا رماة . قال أنس - رضي الله عنه - استقلبنا من هوازن شئ ، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط ، من كثرة السواد ، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم ثم صفوا صفوفا ، فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال ، ثم جاؤوا بالإبل والبقر والغنم ، فجعلوها وراء ذلك لئلا يفروا بزعمهم فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالا كلهم ، فلما انحدرنا في الوادي ، فبينا نحن في غبش الصبح إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه ، فحملوا حملة رجل واحد ، فانكشفت أوائل الخيل - خيل بني سليم - موليه وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شئ وارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفه ( 1 ) . وقال جابر : وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين ، ثم قال : " أيها الناس هلم إلي أيها الناس ، هلم إلي أنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا محمد بن عبد الله " ( 2 ) . قال : فلا شئ وحملت الإبل بعضها على بعض ، فانطلق الناس . وذكر كثير من أهل المغازي : أن المسلمين لما نزلوا وادي حنين تقدمهم كثير ممن لا خبرة لهم بالحرب ، وغالبهم من شبان أهل مكة ، فخرجت عليهم الكتائب من كل جهة ، فحملوا حملة رجل واحد والمسلمون غارون ، فر من فر ، وبلغ أقصى هزيمتهم مكة ، ثم كروا بعد . وفي الصحيح عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال : عجل سرعان القوم - وفي
--> ( 1 ) انظر مجمع الزوائد 6 / 181 . ( 2 ) انظر المجمع 6 / 182 - 183 .